مشروع زاد - وجهة ثقافية مختلفة كل فكرةٍ هي قيمة، لا تهدرها بكتمانها

منهجية العقل في القرآن: العربية أعقل اللغات

Aya06

تتمايزُ اللغاتُ عن بعضها البعض بمدى قدرتها على استيعابِ المعاني، والتعبيرِ عن الدلالاتِ السامية، والأفكار الكُبرى في الحياة، وبالتأكيد أحدُ أهمِّ هذه الأفكار الكبرى لدى الإنسان، علاقته بالسماء، وبالخالق عز وجل، وبالتالي، كان لابدَّ أن يكون الكتاب الأخير المنزل من عند الله بلغةٍ عالمية، تكون هي أقدرُ اللغات على إيصال المعاني السامية والأفكار العظيمة، واللغة العربية لم تستوف هذه الشروط فحسب، بل فاقت كل ذلك بأنها لغة حية، عاقلة، من يتحدثها ويتقنها  إتقاناً جيداً، فهو مؤهلٌ لأن يكونَ مُفكراً، عاقلاً، ولا أقصد بالعقل هنا مُجرد التمييز، بل الوصول إلى غاية العقل، وهي الحكمة.

نعم اللغة العربية أعقلُ اللغات، ومن يجيدها هم أعقل الناس إن استوفوا شروط الإجادة وبلغوا الغاية من المُراد.

وهذه ادعاءاتٌ تستلزمُ منِّا إقامة البرهانِ والدليل، وإلا لأصبح الادِّعاءُ مُجرد ظنٍ وتوهم، أما إن أقمنا عليه الدليل، فسيصبحُ علماً مؤكداً.

نحنُ نؤمنُ أن القرآنَ الكريم كلامُ الله المنزل، وأن فيه استقامة البشر وصلاحهم، فإذا سألنا أنفسنا، لماذا يستلزمُ أن يكون القرآن أداة للصلاح والاستقامة؟

سيكون الجواب: لأنه علمٌ وقانون سماوي، أو إلهي، وقد قاله وأنزله من خلق البشر وهو أدرى بما يُصلحهم سبحانه وتعالى، فالصانعُ هو أقدر أحدٍ على إصلاحِ ما صنع، وهذا صحيح بالبديهة، لكن القرآن يقدم لنا رأياً آخر بجانب ذلك، فيقول تعالى: ” قرآناً عربياً غيرَ ذي عِوج ” ، فصفة الاستقامة ونفي الاعوجاج ارتبطت بكونه عربياً، ولم يقل مثلاً، قرآناً إلاهياً، أو سماوياً، وهذا الربط بين كون القرآن عربي اللغة، وبين عدم الاعوجاج يُدلل على ما قلنا بالأعلى، ومع أنه غير ذي عوجٍ بسببِ أنه سماوي وإلهي، فهو أيضاً غير ذي عوجٍ لأنه عربي، وتخصيص اللغة العربية بهذه الصفة، لهو شرفٌ عظيم وشهادة إلهية بأنها أقدرُ اللغاتِ على إيصالِ معاني السماء، وبالتالي، أفتعجزُ عن إيصالِ معاني الأرض، والقيام بنهضتها وحضارتها؟

وقد لا يقتنعُ بعض الناس لعدمِ مباشرة الكلام في الآية السابقة، فلننظر لآيةٍ أخرى هي أوضح وأكثر مباشرة في الدلالةِ على أن اللغة العربية، أعقلُ اللغات، فبمجرد إتقانك فقط للغة العربية، فهذا شهادة لك بالعقل.

قال تعالى: ” إنا إنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون “.

إذن الآية تكشف لنا عن أحد أسرار نزول القرآن باللغة العربية، رغم أنه كتاب للعالمين، فالنطقُ العربي للقرآن، سببٌ مباشرٌ في تدريب وتمرين العقل على العمليات الفكرية، بعكس ما لو قرأت معانيه بلغةٍ أخرى.

فقط لمجرد أن تتعلم العربية بشكل جيد، وأن تقرأ القرآن بنطقه العربي كما أنزله الله عز وجل، فهذا أمرٌ يكفي لإعدادك فكرياً وعقلياً، فإن كنتَ استوعبتَ عن الله، بمنطقه، وحكمته، وبلاغته، وإعجازه، فما يُعجزك عن الاستيعابِ عن غيره؟

قد يعترضُ آخرون بأن الإسلام دينٌ لكل الناس، والقرآن كتاب لكل المسلمين على اختلاف ألسنتهم وتعدد لغاتهم، وأن نزوله بالعربية كان مُجرد ظرف زماني ومكاني، بسبب بعثة الرسول عليه السلام وسط أقوام من العرب.

نعم، هذا صحيح، لكن نزول القرآن باللغة العربية أمر مقصودٌ من قِبل الله عز وجل، قصداً توضحه الآية أن هذا الاختيار هدفه أن نعقل ونفكر. فالتركيبة اللغوية العربية التي نزل بها القرآن الكريم، هي تركيبة إعجازية من ناحية فنون البلاغة، وطرق الإخبار، وطرق إعطاء المعلومة من خلال السياق، والاستدراك، والتعجب، والتساؤل، إذا استوعب العقل هذه العناصر الموجودة في أي لغة، إذا استوعبها باللغة العربية، فإن هذا يُدربُ عقله على خطوات التفكير السليم والمنطقي، التفكير العاقل، وليس التفكير الذي قد ينحرف عن مقتضى العقل السليم.

لنأخذ مثالاً: السياقات التي يتقدمُ فيها الفاعل على الفعل، أو المفعول به على الفاعل، أو تقديم وتأخير المبتدأ والخبر، أو سياقات التعجب والاستفهام وطُرق حوار القرآن مع الناس، كل هذه في مُجملها ليست مُجرد سردٍ قد يستقيم بلغةٍ أخرى، لكن سرده باللغة العربيةِ ذاتها، أمرٌ يُدربُ العقل، نحنُ لا نقول أن ألفاظ القرآن العربية مقصودة لذاتها كغاية عظمى، بل تدبر دلالات ومعاني هذه الألفاظ هو المقصد الأكبر، لكن سياق الألفاظ هو أداة في حدِّ ذاته لتدريب العقل وتشغيله من أجل تحقيق المقصد الأكبر.

وفي كتابات الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم خيرُ دليلٍ على ذلك، وهي مرجعٌ جيد لمن أراد الاستزادة والاستفادة.

2 Responses to منهجية العقل في القرآن: العربية أعقل اللغات
  1. زهير الكاشف
    September 5, 2010 | 10:16 am

    بارك الله لك و زادك من علومه امتعنى تحليلك وبرهانك كما تفعل دائما ازدنا ازادك الله مما تحب  

  2. Ema Adam
    October 4, 2010 | 3:15 pm

    “فهو أيضاً غير ذي عوجٍ لأنه عربي”.. أعتقد والله أعلم أنّ “عربيًا غير ذي عوج” تعني أنّه غير ذي عِوَج في عَرَبيته، أو أنه عربيّ تامّ العروبة لا شية فيها.

Leave a Reply

Wanting to leave an <em>phasis on your comment?

Trackback URL http://zadkom.com/838/trackback