عنصر السؤال، أو التساؤل، هو من البديهيات الكبرى التي تُشكل الحضارات، وتدفع بعجلة التطور، وتُشكل إحساس الإنسان بوجوده الذاتي، وبما حوله من وجود متصل به أو منفصل عنه.
هذه رسالة يكتبها لكم طفلٌ مُتقاعدٌ أجبرته ظروف الحياة على أن يكونَ فيلسوفاً، دون أن يكونَ طفلاً.
هل صادفتم من قبلُ طفلاً يخجلُ من السؤال؟ أو يتوقفُ عنه؟ أو يخاف منه؟ هل صادفتم طفلاً يُراعي حساسية الكبار اللامُبررة تجاه موضوعٍ ما، أو يحترمُ الآداب العامة التي تفرضُ ألا يخوض في أمور معينة؟
حسناً من المُفترضِ ألا يكونَ ثمة أطفالٌ بهذه الصفات، لكن في الحقيقة، كُلنا صادفنا هذا النموذج، ببساطة، لأن مجتمعاتنا مُتخصصة في صُنعه، وبالتالي يُمكننا القول أن مُجتمعاتنا ما هيَ إلا مصانع ضخمة لإنتاجِ كائناتٍ مُشوهة معرفياً، وإنسانياً، ومملوئينَ بالتفاهات، يُطلق عليهم بعد اكتمال التصنيع: الكبار.
الكبارُ كما عرفتهم، هم أشخاصٌ تبدو عليهم دائماً مظاهر التحضر، لكنهم مُولعين بالأمر والنهي والزجر، ويعتقدون أنهم أكثر علماً من الصغار بحكم السنِّ والخبرة والحياة وما إلى ذلك مما يُرددونه دائماً على مسامعنا نحنُ الصغار، وهم في ذلك أشبه بالمُحتكرين الذين يُفضلون أن يتعلق السوق بهم، وأن يظلَّ الآخرون بحاجةٍ إليهم، إلا أن الفرق هنا أنهم يحتكرون الحياة لصالح أنفسهم، وراحةِ بالهم.
الكبارُ غيرُ مُتزنين بالمرة فيما يتعلقُ بشأنِ الأطفال، ولعل هذا هو السبب في أنهم يكثرون من التعنيفِ، والتحذيرِ، بما يخدمُ مصالحهم، وأفكارهم، وفي أحيانٍ كثيرةٍ؛ أوهامهم وقلة حيلتهم.
وفي سياق التوهم والضلال، دعوني أحدثكم عن المفهوم الضبابي الذي يحمله أغلب الكبار لعلم الفلسفة، إنهم يعتبرونها – كما درسوها في الثانوية – علمٌ لا فائدة منه، وترفٌ فكري لا يشتغلُ به إلا من لديه فائضُ وقتٍ، يُنفقه – أو يُهدره – في التفلسف على الآخرين.
هذا الأمر البغيض والنظرة القاصرة من الكبار، لطالما كانت مصدرَ حنقي عليهم، دون أن أفهم أو أعي الموقف الذي يتخذونه، وهو ما حداني إلى تحليل نفسياتهم عندما كبرت – أي الآن – وأدركتُ لوحدي دون أن يُلقنني أحد، أن الفلسفة هي الأسئلة، والتي كُنتُ أمارسها كغيري من الأطفال، بالفطرة، ثم أحالت تدخلاتُ الكبار هذه الفطرةَ إلى مسخٍ مُشوه بفعلِ التصورات الخاطئة والسطحية التي يحملها الكبارُ أنفسهم عن الفلسفة، أو ربما بفعل الكسل، أو رداءة الحظ الذي جعلنا نعيشُ في هذه الفترة المنحطةِ من تاريخِ الأمةِ العربية.
لذلك أصبحتُ كبيراً، غبياً في أغلب الأوقات، روتينياً بغيضاً، وكرهتُ الفلسفة كما فرضوها علينا في المدرسة، كما أصبحتُ أيضاً أسخرُ من أي شخصٍ يسألُ أسئلةً وجودية كالتي كُنتُ أسألها، أو السؤال الأهم الذي يسأله كلُّ الأطفال: لماذا؟ وأصبحَ هذا السؤال يُضجرني، ويُزعجني، على الرُّغم من أنني أولُ من يُلهبهُ الفضول الدائم كي أعرفَ: لماذا؟
غالباً يبدأ الطفل بفعل ذلك عندما تزجره أنت، وتعنفه على الصداع والقلق الذي يُسببه بكثرةِ أسئلته. وفلسفتكَ أنتَ في ذلك أيها الكبير أنك مشغولٌ جداً عن تلبيةِ المتطلبات العقلية والفلسفية لطفلٍ لا يكادُ يفهمُ شيئاً، أما فلسفتهُ هو، فهي الأقلُّ طُغياناً، إذ أنه – بحكم طفولته – لا زالَ يستكشفُ الأشياءَ والمعاني بقلقٍ طفولي، ودهشةٍ حاضرةٍ على الدوام، إنه يسألُ أو يتفلسفُ عليك بكلِّ جسارةٍ وبساطةٍ ووقاحة، وهو ما تتطلبه الفلسفة كي تُحققَ الحدَّ الأدنى من الإدراكِ تجاه البديهيات الكبرى، كالموتِ، والحبِّ، والعلاقاتِ الإنسانية. يتطلبُ الأمرُ قدراً كبيراً من الإيمانِ بالسؤال كي ينجح الطفلُ في إيجاد إجابة أو فلسفةٍ لما يكتشفه لأول مرة.
أما أنت أيها الكبير، إن كنتَ قد تخليت عن إيمانك بالأسئلة، وآمنت بأنك تملك فقط كل الأجوبة، فبؤساً لك.




وهو ما تتطلبه الفلسفة كي تُحققَ الحدَّ الأدنى من الإدراكِ وليس الادارك – غلطة مطبعية. مقال جميل
شكراً علياء.
تم تصحيح الخطأ.