مشروع زاد - وجهة ثقافية مختلفة كل فكرةٍ هي قيمة، لا تهدرها بكتمانها

الشك طريقنا إلى النقد

Aya03

الشكُ هو أحد الأسس التي يقومُ عليها العلم، حتى يثبت الحق بالدليل القاطع، والشكُ الذي أقصده ليسَ ضدَّ التصديق، فالتصديق ضده التكذيب، لكن الشك منهجٌ عمليٌ يهدفُ للتدليلِ والتأكيدِ على حقيقةٍ ما، وهو بداية الطريق.

وليسَ الشكُّ الذي أقصده هوَ سوءُ الظنِّ بالآخرين، بل الشكُّ الذي يُساعدُ في إماطةِ اللثامِ عن الحقيقة، كما يَشكُّ مُحقق الجرائم في بعض خيوط القضية، ويكون في شكِّه هذا مِفتاحُ حلها.

إنه الشك الْمُمنهج، أن تبدأ بالتدليل الصحيح على كل ما تعرفه، وما تؤمن به كقناعاتٍ راسخة، لتقتنعَ به عن علمٍ وبُرهان، لا عن وراثةٍ واعتياد:” قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ”.

هل أصابتك الحيرة أمام شيخٍ، أو داعيةٍ، أو عالمٍ من علماء الدين، تشعرُ في داخلك أنه كاذبٌ، وغير صادقٍ معَ ربه فضلاً عن أن يكون صادقاً مع نفسه أو مع الناس؟

الحكمُ على النوايا يختصُّ بالله، وهو وحده يعلمها، لكن ثمة دلائل وقرائن تجعل الإنسان يشكُّ، فيتجنبُ بشكِّه الوقوع في الخطر، ويعرف بحدسه كذبَ من يُحدثه أو صدقه، ويعرفَ بعقله الحقَّ من الباطل.

حسناً، كلنا واجهتنا شكوكٌ مُعينة، وبعضنا لازمته الشكوكُ طويلاً دون أن يهتدي لطمأنينةٍ تُريحُ قلبه، وكثيرٌ منا يشعرُ بأن الوضعَ غير صحيح، وبأن جميعَ من يدَّعونَ امتلاكهم الحقُّ، يجوزُ عليهم من الباطلِ ما يجوزُ على غيرهم، خاصةً مع فوضى الفتاوى التي خرجت علينا، وامتهان الدين، وتكلم أصحاب المصالح، وعلماء السلطان، وتسخير الدينِ لخدمةِ السياسةِ وأنظمة الحكم الفاسدة، أو حتى لخدمةِ الإرهابِ والتكفيرِ وبث الفُرقة، أو التهوينِ من شأن علوم الدنيا وإنكار الاهتمام بها، مما أنتجَ لنا انهياراً في المنظومة التشريعية يراه الجاهل قبل العالم، أليس من حقنا بعد ذلك أن نُشكك قليلاً في أن هذا الذي بينَ يدينا ليسَ هو الإسلامُ الصحيح؟ وأن أحدهم أخطأ في فهم النصوص الأصلية، فأخطأ في إيصال روح الإسلام إلينا؟ وأننا في أغلبِ شؤوننا ندفعُ ثمنَ أخطاء لم نرتكبها؛ ونغرقُ في جهلٍ وتخلفٍ عالمي بسبب هذه الأخطاء، وكُلُّ ذنبنا أننا لم نستدركها، ولم نتأمل مخالفتها الواضحة، وآثارها السلبية، فنسعى في تقويمها وإنكارها؟ أليس حرياً بنا أن نبدأ بالتفكير لأنفسنا بدلاً من استعارة عقول العلماء والدعاة الذين ليسوا كلهم يريدون الإصلاح؟

فالدينُ الإسلامي ليسَ ديناً لاهوتياً، ولا يقتصرُ فهمُ النصوص على مجموعةٍ معينةٍ من الناس، بل كلُّ من أتاه الله فهماً وعقلاً ليتدبرَ في القرآن الكريم، يستطيعُ استخراجَ العبرِ والحكمِ من النصوص، ويعمل بها، ويحكم بمقتضاها على ما يُشكلُ عليه من أمور دينه ودنياه.

إذن تعالوا نتدبرُ قليلاً اليوم في قضيةٍ من أهمِّ القضايا، وهي نقد العلماء والمصلحين.

نعلمُ أن هذا الأمر له ضوابط كثيرة في الدين، كما أن له حُرمة في الوعي الجمعي للناس، نظراً لفضلِ العلماء ومنزلتهم عند الله، بنص القرآن الكريم الذي وردَ فيه قوله تعالى: ” يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ” وقالَ أيضاً: ” إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء”.
لكن…
من هم العلماء والْمُصلحون والدعاة الذين لُحومهم مسمومة كما يقولون، والذين يرفعهم الله درجاتٍ بسبب علمهم، والذين هم ورثة الأنبياء؟
هل هم أي إنسانٍ يتكلم بقال الله، وقال الرسول؟ هل هم رجال الهيئة مثلاً؟ هل هم الإخوان المسلمون؟ هل هم الصحفيون وأساتذة الجامعة؟ هل هم علماء الأزهر؟ هل هم هيئة كبار العلماء؟

بالطبع لا، الدينُ الإسلامي ليسَ ساذجاً، والإنسانُ كرَّمه الله بعقله، فإن لم يستخدمه، فقد رفضَ النعمةَ، وأهدرَ جدواها، كما أننا نقرأ في القرآن – الذي هو الدستور التشريعي – هذه القاعدة: ” وكُلُّكم آتيهِ يومَ القيامةِ فردا” فكلُّ إنسانٍ سيُحاسبُ بعمله وحده، وباختياراته، وذلك لأنه امتلك الإرادةَ الحرة، وسيتبرأ جميعُ العلماءِ من أتباعهم، ولن يُفيدك أن تقول قال لي فلان الداعية، وأفتاني فلانُ العالم.

ولأن جميع الناس لديهم أدواتُ التعلم، السمعُ، والبصرُ، والفؤاد، الذي هو العقل والقلب.، وكلنا تعلمنا بهذه الأدوات الثلاثة، ألا نقرأ قوله تعالى: ” وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ” النحل – آية 78
فالإنسان جاهلٌ في مبدأ أمره، ثم بهذه الأدوات ينال اللغة والفهم، ونحنُ قد سمعنا القرآن، وأبصرنا آثاره وقوانينه، أفلا نعالجه بعقولنا ونتدبره كي نتعلم؟
تعالوا إذن نتعرفُ في المقال القادم : علاماتُ الإصلاح والإفساد، على درسٍ من دروس النقد في القرآن الكريم، تعالوا نتدبرُ طريقةً دلنا عليها القرآن تساعدنا في معرفة وتقييم العلماء والمصلحين، وتمييزهم عن غيرهم، وذلك من خلال آيتين، نستخرجُ من كلِّ آية عدةَ ملاحظات تساعدنا في تحديد من هو العالم والمصلح، ومن هو المدعي المنتسب لشرف العلم والإصلاح، والإصلاحُ والنهضة منه براء.

5 Responses to الشك طريقنا إلى النقد
  1. عبدالقادرب
    August 13, 2010 | 10:56 am

    الشك طريقنا إلى النقد ..

    والنقد هوإخضاع المعدن المشكوك في صحته وفي سلامته مما علق به من شوائب ..فيوضع المعدن ..المادة الأادبية ..الفكرية على سفود ساخن لإذابة وتحييد ما ليس منه ..

    لكن درجة الحرارة التي قد يخضع لها المعدن ..المادة ..قد تزيد عن… الحد المسموح به فتذيبه وتفنيه ..

    وبالتالي يضيع المعدن الأصلي ..وتضيع الحقيقة ..

    الشك هومنهج أبي حامد الغزالي ..مارسه بحكمة في القرون الخوالي ..

    ثورة الشك ..بعد رفض وحك وصك وصل إلى اليقين ..

    واليقين يقينان يقين علم اليقين.. ويقين عين اليقين ..

    فأين نحن من عين اليقين ؟

  2. [...] قلتُ في المقال السابق، موعدنا مع آيتين من كتاب الله تعالى، نتدبرُ من خلالهما [...]

  3. فارس العقل
    August 14, 2010 | 6:59 am

    أريدُ التداخل مع بعض الأفكار الواردة هنا، والتشديد على أهمية التوسع والبسط والشرح لأفكار أخرى وردت في هذا المقال، ولعل في القادم خير كثير.

    النقد هو أحد محركات التطور، حينما يتحولُ إلى نظرية، وليس لمجرد اعتراض، أو رفض، وعندما يكون النقد نظرية علمية، ننجو من فكرة المغالاة في النقد، مما يُسبب الإذابة الكاملة التي يخافها الأخ عبد القادر في الرد السابق، إنما النقدُ في الأساس يهدفُ إلى التجويد والتحسين.

    وقبل أن يكون الشك منهجاً أوروبياً معاصراً، أو منهجاً لأبي حامد الغزالي، لقد كان الشك منهجاً قرآنياً منذ البداية، ألا ترى كيف شكك القرآنُ المشركينَ في ثوابتهم، ووضع لهم الحجج والبراهين التي يمكنهم بها إدراك حقائق الألوهية، بل وشككهم في عقولهم أيضاً.
    ” أفلا تعقلون؟ ”

    ومن منهجِ الشك الذي لا يحتوي على تكذيب، بل هو لزيادة الاطمئنان، طلبُ إبراهيم عليه السلام من ربه أن يريه كيف يُحيى الموتى، وطلبُ موسى عليه السلام أن يرى ربه.

    قد يُخالفني البعض في أن نُطلق على هذا مُسمَّى الشك، ولكن ماذا نسميه؟ قلة طمأنينة؟ رغبة في إثبات الإيمان؟ لا بأس، هذا يحتوي على حدٍ أدنى من شكِّ المعرفة، لأن كثيراً من الغيبيات بحاجةٍ إلى قرائن وبراهين تدل عليها ولو من طرفٍ خفي، والله عز وجل لم يُعارض ذلك، بل هو الذي يعطينا الدلائل والحجج والبراهين، يخاطب بها عقولنا، وقد أرسل الآيات لأمم من السابقين، آيات دامغة تلبية لطلبهم، ولدحض شكوكهم، فلما كذبوا بها، عذبهم، وهذا منهجُ الله عز وجل عبر التاريخ، إذا طلبت أمة أو جماعة آية معينة، وحددوا مواصفات هذه الآية، وجاءتهم، ثم كذبوا بها، كان حقاً على الله أن يُفنيهم جميعاً بعذابٍ لا يُبقي ولا يذر، وفي الآخرة هم من أشقى الناس، مثل قوم صالح لما طلبوا الناقة فأتت لهم الناقة كما طلبوا، والحواريين عندما طلبوا مائدة من السماء، فلو كانت أتتهم المائدة، ثم كفروا، لعذبهم الله وأفناهم كما أنفى ثمود عندما كفروا بآية الله.

    فاتباع منهج الشك بالقدر الذي تتطلبه الحقيقة، منهج قرآني في النقد والتفنيد والاستدلال، وهو من طبيعة البشر، وليس ثمة حرج فيه كما أرى.
    وثمة بعض الأفكار التي نحن بحاجة إلى توضيحها للجميع، كي تُتبع ويؤمن بها العامة قبل الخاصة، وهذه النقاط التي أراها مهمة، وربما لم تأخذ حقها في العرض والنقاش من قِبل الكاتب هي:

    1- “جميعُ من يدَّعونَ امتلاكهم الحقُّ، يجوزُ عليهم من الباطلِ ما يجوزُ على غيرهم ” وأضيف، إلا الأنبياء والمرسلين، فالحق الذي معهم مطلق في صحته لأنه من الله، ومع ذلك هو مُدعمٌ بالأدلة والبراهين، أما جميع البشر، فيمكن أن يُخطئوا الحق ويحيدوا عنه، حتى لو كانت الأدلة في أيديهم، فطريقة اعتماد الدليل وفهمه تختلف من إنسان لآخر.

    2- الإسلام ليس ديناً لاهوتياً، بل هو دين فردي، وفي الحقيقة لقد أتى ليقضي على اللاهوتية التي كانت منتشرة في المسيحية واليهودية، حيث يتحكم الأحبار والرهبان في كل شئ له علاقة بالسماء، حتى تشعر كأن الدين شركة، وهؤلاء أعضاء مجلس إدارتها.

    3- جميع الناس متساوون في القدرة على التعلم، أتفق مع هذه النقطة، لأن الأدوات لدى الجميع واحدة” السمع، والبصر، والفؤاد “، لكنهم لا يتساوون في القدرة على الفهم، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

    أخيراً شكراً لهذا التحريض، وأتمنى لهذا الموقع الجميل نجاحاً باهراً.

  4. maha
    February 7, 2011 | 2:28 am

    c'est un bonne information merci pour ça

  5. هناء
    February 11, 2011 | 1:31 am

    اريد ان اتسائل فقط : هل منهج الشك الذي اتبعه رينيه ديكارت منهجا صحيحا و هل تشكيكه في وجود الله تعالى و ثم اثباته وجود الله صحيحا و هل كان اثباته مقنعا ؟؟
    ارجو الرد باسرع وقت و شكرا جزيلا على هذا الموضوع الرائع !!
    هذه التساؤلات كانت تدور في عقلي ايضا .

Leave a Reply

Wanting to leave an <em>phasis on your comment?

Trackback URL http://zadkom.com/719/trackback