
لمن يسمعُ الإنسانُ عادةً؟ ما هي مواصفات الشخص الذي نسمح له بالتدخل في شؤوننا؟
من هو العالم أو المُفكر الذي نقتنعُ بأفكاره ونطيعه فيما يريد؟ من الذي تثق فيه وتأتمنه على إبداء الآراء في حياتك؟ من الذي تلجأ إليه في المصائب كي يُعينك وينصحك؟
النهيُ في الآيةِ صارمٌ وصريح، وواضحٌ إلى درجةِ اليقين، ( ولا تُطع ) مهما كان الأمر، لا تستجب ولا تطع، ولم يقل مثلاً: واجتنب من أغفلنا قلبه، ولم يقل مثلاً: ( ولا تكن كمن أغفلنا قلبه ) ولكنه اختار الطاعة، ونهى عنها في حق من غفلَ قلبُه، وساءَ عمله باتباعِ هواه، وفرَّطَ في أمرِ نفسه وتساهل، وذلك لما يترتبُ على إطاعةِ من كانت هذه صفاته من مفاسد حياتية، ولما تتضمنه تلك الطاعة من انتقاص عقل الإنسان، وفسادِ أموره وفرَطِها، تبعاً لطاعته من كان غافل القلب، مُتبعاً لهواه، مُفرطاً في أمره.
وإذا وردَ النهي والتحذير بهذه الصورة الواضحة الدلالة، والصريحة في غيرِ مجازٍ أو تورية، فنحنُ على موعدٍ مع دلالاتٍ فكريةٍ وحياتية، تتماشى مع الصالح العام للإنسان، وتُهذبُ أموره، وترتقي به للنمو السمو.
الطاعةُ هنا ترمزُ بشكلٍ مُباشر للمسؤولية، أي يُمكننا تأويل الآية وإعادة صياغتها على هذا الشكل:
( لا تضع مسؤولية اتخاذ القرار، أو إصدار الأوامر، إلى شخصٍ يتصفُ بهذه الصفات: غافل القلب، يتبعُ هواه، يُفرطُ في أمره )
ويُمكن وصفُ هذه المسؤولية بأنها شاملة، وعامة، وفي تأملنا للآية يمكننا إسقاطها على ثلاثة أنواع من الأشخاص:
1- الشخص المسؤول عن إعطاء الرأي وإسداء النصيحة، سواء على المستوى الشخصي، كالصديق، الزوج أو الزوجة، الأب والأم، أو على المستوى العام مثل الأستاذ، المحامي، المستشار، إلخ
2- المُدراء والمسؤولين عن شؤون الآخرين ومصالحهم، ومن بيدهم اتخاذ القرار، مثل مُدراء الشركات، ومسؤولي الأقسام والفروع، إلخ.
3- القادةُ وولاة الأمر، من الرؤساء، والوزراء، وقادة الجيوش، وذوي المناصب العُليا التي تؤثرُ في الحياةِ العامةِ للناس.
الآية حددت ثلاثة مواصفات للشخص الذي لا ينبغي أن نطيعه أبداً من هؤلاء، ولا نسمع له، ولا نأخذ برأيه، بل لا يتم إسنادُ المسؤولية إليه في الأساس، لأن في رأيه نقصان أكيد، حتى لو لم يظهر لنا، فمن كانت فيه هذه الصفات أو أحدها، فهو بالتأكيد مُتهمٌ في قدرتهِ على تحملِ المسؤولية، وعلى الوفاء بمعايير إطاعة الناس لأوامره وإصغائهم لآرائه.
كما لا يجب أن يتدخل مثل هذا الشخص في حياتنا بالمشورة وإبداء الرأي، وصفات هذا الشخص هي:
1- غافل القلب.
2- يعيشُ على هواه، ولا يحكمه قانون.
3- مُفرطٌ في أمر دنياه، أو عمله، أو أبنائه، أو أي نوع من التفريط.
والآية تُحدد لنا من طَرفٍ خفي، معايير الإنسان الذي يستحق أن يُوضع في موضع المسؤولية، ويوضع في موضع الأمر والنهي وإصدار القرارات التي يُطيعها الآخرون، ويُنفذونها، فيتأثرون بها، وتؤثر على حيواتهم وواقعهم، وهذا الشخص صفاته هي الضدُّ تماماً، فيجب أن يكون:
1- يقظ القلب، حي الضمير. ( الشفافية والنزاهة والصدق والفهم).
2- لديه مبادئ يلتزم بها، ومراجع يرجع إليها، ولا يتبعُ هواه في تقرير الأمور وإطلاق الأحكام. ( يلتزم بالقانون ويطبقه على نفسه أولاً )
3- ألا يكون مُفرطاً في شؤونه ( الجدية والالتزام والاستجابة للضغوط ).
أخيراً، لو تدَبَّرَ الناسُ هذه الآية، وعملوا بمقتضاها، لصَلُحت كثيرٌ من أمورِ المجتمعات، ولاختلفَ حالُ الأمةِ كلها، فالقيم التي ذكرتها الآية، هي التي لا يجب أن تكون في أي شخص صاحب قرار، أو عليه مسؤولية، بل يجبُ أن يتحلى بضدِّ هذه الصفات، كالنزاهةِ والشفافية والصدق والالتزام والجدية، ولو نلاحظُ أن هذه الأمور كلها يمكنُ ترجمتها بكلمة واحدة، هي الكفاءة، فالمجتمعات التي تريد النهوض، يجبُ أن تترك زمام الأمر للأكفاء من أبنائها، وأن تولي مسؤولية اتخاذ القرارات وقيادة الإصلاح إلى من هم أهلٌ لذلك، ولا نُبالغ لو قلنا أن أساس تخلف المجتمعات العربية هو إسناد الأمور إلى غير أهلها، وانقلاب المعايير، وتولي المناصب تبعاً للواسطات، والمحسوبيات، لا تبعاً للكفاءات والمهارات، وبذلك فَسَدَ القرار لفسادِ أصله، وفَسدت النتائج المترتبة عليه.



