مشروع زاد - وجهة ثقافية مختلفة كل فكرةٍ هي قيمة، لا تهدرها بكتمانها

هل نحن مؤهلون للنهضة؟

 

لا اختلاف الآن على موقعنا كعرب وكمسلمين في خريطة العالم، ثقافياً وعلمياً وسياسياً واقتصادياً وحتى اجتماعياً. كما لا اختلاف على حاجتنا الماسة لتغيير نحن جديرون به بحسب تاريخنا العبقري، وجغرافيتنا التي جعلتنا مركز العالم طوال مسيرة الإنسان على هذا الكوكب.
وأقول نحن “نحتاج” التغيير لأن تاريخنا هذا وجغرافيتنا تلك يؤهلانا لواقع أفضل كثيرا مما نحن عليه الآن.
إذًا، اتفقنا على احتياجنا لتغيير ما. يبقى أن نتفق على أولوية ما يجب تغييره: هل واقعنا؟ (السياسي في المقام الأول) باعتباره مدخلا مباشرا لإحداث نقلة نوعية في الواقع؟ أم الأَولىَ تغيير أفكارنا وكثير من قناعاتنا وعاداتنا وسلوكياتنا لتتناسب مع طموحاتنا لما يجب أن نكون عليه؟ ثم لنتفق بعدها على طريقة هذا التغيير: كيف يجئ؟ وبأية وسيلة؟، هل نحتاج “ثورة” شاملة تقلب الأوضاع السلبية وتبني على أنقاضها مستقبلا جديدا؟ كمن يهدم بيتا من أساسه ليقيم مكانه واحدا آخر؟ أم من الأفضل والأضمن فاعلية واستمرارا هو أن نعتمد طريقة “البناء التراكمي”؟ باعتبار أن التغيير الحقيقي يعتمد أساسا على أسس ثقافية ومعرفية تفتقدها مجتمعاتنا الآن، وأي تغيير لا يعالج هذه الجذور، ويؤسسها، يصبح كالاكتفاء بطلاء بيت ذي أساس متصدع.
تبدو الإجابة عصية على التبسيط. فواقعنا يقتضي ألا يؤجَّل التغيير لأكثر من هذا، بينما لا تبدو في الأفق أية مشاريع جادة ذات حضور فعليّ بين الشعوب العربية لتغيير منهجي يعالج سوءات الشخصية العربية ويقوّم ما أفسدته السطوة اللاهوتية والسياسية على مدى أكثر من ثلاثة عشر قرنا من الزمن.
التغيير، في كل أحواله، يحتاج برنامجا وأفكارا تغذيه، وتنير له الدرب. وإلا تحول إلى قوة هدم لا بناء، تخريب لا تعمير. ويحتاج قبل هذا إرادة حقيقية مؤهلة للصمود. أما الأهم فإنه يحتاج كوادرَ بشرية قادرة على تحمل مسئولية المسيرة، بدءا من وضع الأسس النظرية، والتخطيط، وحتى قيادة الدفة وتوجيه مسار السفينة إلى الجهة الآمنة، وحتى المسئولية التاريخية له. وهؤلاء من يطلَق عليهم “النخبة”.
وهذه النخبة لن تكون قادرة على قيادة مسيرة التغيير إلا إذا آمنت أنها قادرة على النجاح ومؤهلة له. وإلا إذا وعت خطورة ما تسعى إليه، وأهميته في إعادة تشكيل العالم كله، وتأثيره على مستقبل أجيال ستجيء فيما بعد.
وهنا من الضروري الاستماع إلى ما يقول التاريخ عن تجارب التغيير في العالم، فقراءة الماضي ضرورة لكتابة المستقبل. ونحن هنا نتحدث عن تغيير واقع سياسي، وهو ما يسمونه في العادة “الثورة”.
لم يعرف التاريخ إلا ثلاث نماذج لثورات شعبية خرج فيها شعب لتغيير واقعه، أو استردادِ حق له. هي الثورة الفرنسية ثم الروسية وأخيرا الإيرانية. وهذا يعني أن ثلاث شعوب فقط في تاريخ العالم تحركت بشكل جماعي ونجحت في “قلب” الواقع وفرض تغيير ما. بينما غالبية الدول التي شهدت تغييرات مماثلة كانت شعوبها تتحرك إلى هذا حثيثا. وعبر قرون.
فدول أوروبا الغربية – مثلا – كلها تحولت أنظمة حكمها إلى الديمقراطية عبر سنوات وأشكال متنوعة من الاحتجاجات الشعبية، فاضطرت حكوماتَها إلي تبني إصلاحات متدرجة، انتهت بها إلى ما نراه الآن من نظم الحكم الديمقراطي.
وفي دول أخرى كبلدان أمريكا اللاتينية جاءت فرص التغيير فيها عبر انقلابات عسكرية، أو انتخابات حرة جرت أساسا عبر ضغوط مارستها قوي معارضة من الداخل، أو ضغوط أخرى من الخارج.
إذًا، فالتاريخ يقول لنا أن التغيير – باختلاف طرقه – لا يأتي فجأة. بل إنما هو خلاصة تراكمات وترسبات ووعي جماعي يتبلور تدريجيا في اتجاه ما. خالقا ما يشبه الرابطة الخفية، والإحساس المشترك لدى الشعب أن زمنهم يحتاج فعلا مغايرا في تلك اللحظة. فيتحركون جميعا، وحينها “يستجيب القدر”، كما قال “أبو القاسم الشابي” في قصيدته الشهيرة.
هذا الرابط العام الذي ينجح في ضم ملايين البشر باتجاه هدف واحد، لا تلده لحظة واحدة. ولا فكرة واحدة. بل إنه نتاج إفرازات وتطورات وتجارب مضنية تدفع فيها الشعوب كثيرا من وقتها وجهدها وثرواتها ودمائها حتى تتوصل إليها. إنه ليس “درسا” نظريا يستوعبه الناس في حصة مدرسية. بل مكابدة شاقة تشكل وعيا جماعيا تستحيل مقاومته أو تغيير اتجاهه.
ونظرة سريعة على واقع عالمنا العربي، والإسلامي طبعا، تدفعنا لقناعة كاملة أننا لسنا جديرين بالتغيير الآن. لم تتشكل بيننا بعد هذه الرابطة المقدسة التي تذوب تحتها الفوارق أيا كان نوعها. اجتماعية أو دينية أو ثقافية أو سياسية. ولا زلنا نفتقد كثيرا من أدب الحوار، وثقافة الاختلاف مع الآخر. نفتقد حتى الوعي بأزمتنا الراهنة وأسبابها وطرق الخروج منها. نفتقد أيضا فهم المعنى الحقيقي للحرية، حيث يكون عليك من الواجبات مثل ما لك من الحقوق. نفتقد استيعاب القانون واحترامه، لا خوفا من عقوباته، بل لأنه يحفظ نظاما لا ينبغي له أن يختل، ويصون كرامة الفرد باعتبارها جزءا من كرامة الأمة.
وحتى يحين ذلك الوقت الذي تستقر كل هذه المفاهيم في ضمائر الشعوب العربية، نحتاج كثيرا من التجارب، ومن المكابدات، ومن ثمن الخطأ، فمن دون الألم لا تكتمل التجربة. وحينها بالتبعية سوف تدرك الشعوب أنها دفعت، مقدما، ثمن مستقبلها. وأنها صارت جديرة به. أبيض ناصعا كالحقيقة. وكالانتصار.

There are no comments yet. Be the first and leave a response!

Leave a Reply

Wanting to leave an <em>phasis on your comment?

Trackback URL http://zadkom.com/597/trackback