مشروع زاد - وجهة ثقافية مختلفة كل فكرةٍ هي قيمة، لا تهدرها بكتمانها

الحضارة الصغيرة

هناك دوماً ما يقال، وبالطبع هناك ما يُحكى، وأنا سأحاولُ أن أجمع بين الأمرين.

هناك رجلٌ يحتلُ مساحةً واسعة من تفكيري، هو رجل مسن، يعيش وحيداً في منطقة ريفية جداً، لا يصلها الكثير من الحضارة، في قرية صغيرة.

يبدو جلياً أنه يحب هذه المنطقة جداً، ما يلهم في هذا الرجل أنه يعيش في مساحةٍ صغيرة من منزله، يستخدم غرفة معيشة منسقة بشكل جميل بأدوات تجميل من صنع يديه، ويبدو أنها تتحول إلى غرفة نوم ليلاً.
مطبخ صغير بأدوات متواضعة.
استغل هذا المُسن الجميل باقي المساحة من منزله لعمل بديع وخلاق، فالساحة الأمامية من المنزل تبدو كالحدائق اليابانية، مع أنهارٍ تجري من هنا وهناك، وأزهار وردية تحومُ في المياه الباردة، تستطيعُ التنقل بين المساحات المائية لتصل إلى البيت الصيني المصنوع من الخشب، عبر جسور صغيرة اصطناعية، مصنوعة يدوياً من الأحجارالمتراصة بطريقة بديعة!

المدخل الرئيسي للمنزل هو مكان زجاجي، يوجد به من الداخل كرسي واحد، وصورة لزوجين يبدو أنهما تزوجا حديثاً، تشي الصورة بكثير من الحب.

على الواجهة الزجاجية قرأت التالي:

” عملت أنا وزوجي في منزلنا ما يقارب الثلاثين سنة، وما زال زوجي الذي يعاني من مرض مزمن يجعله لا يقوى على الحراك، يعمل بجد حتى يكمل هذا المكان، ويبدو أسطورة من أساطير منطقتنا الجميلة.
إننا نأمل أن تعودوا لزيارتنا مرات كثيرة حتى تروا العمل كله بشكل نهائي، كل ما نريده لهذا المكان أن يكون معلماً حقيقاً وحضارياً لهذه المنطقة الآسرة!”

أشار لنا الرجل المسن إلى الباحة الخلفية للمنزل حيث المعرض! دلفنا إليها ونحن نشعرُ بالأسى على حاله، ووحدته، في هذه الأجواء الباردة، نسينا كل هذا بعد أن وجدنا شيئاً مذهلاً وعملاً لا يُصدق!

المنطقة الريفية كلها، بشكلٍ مصغر، مصنوع تماماً بطريقة الأحجار المتراصة، يدوياً أيضاً، الريف الجميل، بتفاصيله الجميلة، ومعالمه السياحية كلها هنا، متحجرة!
الجبال التي تقطعها الشلالات من علٍ، المزارع والحدائق ومنازل المشاهير الريفية.. شيء مذهلٌ للعين، ومربك للأيدي، كل هذا المكان مصقول بحرفية بالغة، ومرتب بطريقة أنيقة وجميلة، لقد رأينا العمل الذي لم يكتمل، وأحسسنا بروعته رغم عدم انتهاء هذا الفنان منه.

في حديثنا اللاحق مع المُسن الجميل، عرفنا أنه يعمل منذ زمن طويل هو وزوجته على هذا المكان رغبة منهما في أن يكون معلماً حضارياً يزوره السياح، وتهتم به الحكومه في يومٍ ما، عندما أخذنا في جولة داخل منزله الخاص، أحسسنا بالحميمية في هذا المكان، كل شيء مصنوع بيديه، كل شيء فيه لمسة خاصة.

أخيراً دعانا لزيارة المكان في مرة مقبلة، والتواصل معه بريدياً .. خرجنا بعد أن زرنا البيت الخشبي من الطراز الياباني، حيث يبيع بعض القطع والنماذج من أعماله.
مر َّ على هذه الزيارة زمن، لم نعد إليه حتى الآن، لكن الوقت الذي مر، قد يكون كفيلاً بصنع تاريخ حقيقي للمنطقة!

إننا نجهل غالباً أن مشاريعنا الصغيرة، مهما تضاءلت أمام الأعمال الكبيرة، ستبرز يوماً في ثورة الحضارة .. حتماً ..

There are no comments yet. Be the first and leave a response!

Leave a Reply

Wanting to leave an <em>phasis on your comment?

Trackback URL http://zadkom.com/528/trackback