القراءةُ مفتاحُ التطور
ليسَ هناكَ علمٌ لا يرتبطُ بالقراءة. وعلى أساسِ ذلكَ يكونُ التطورُ المرتبطُ بازديادِ المعرفة. وليست آيةُ “اقرأ” مجرد دعوة إلى القراءةِ كفعلٍ مباشر. بل إن الغرضَ من الأمر يتعدى إلى غايةٍ أسمى، وهي المعرفة. وعندما نتتبعُ ما خلفَ هذا الأمر من دلالاتٍ ومعاني، فإننا سنهتدي إلى لمحاتٍ من المقصد الإلهي في توجيهِ العقل إلى ما يجعله أكثر قابليةً للاستيعابِ، والفهمِ، والقدرةِ على التأملِ المثمر.
فالقرآن أتى في وقتٍ لم يكن للحرف المكتوبِ فيه أثرٌ على العرب الأوائل، الذين لم يكن يجيدُ القراءةَ منهم أكثر من نفر قليل، فكان الوحي الإلهي مفتاحاً للتطور المنتظم، وللانتقال من بيئةٍ عقليةٍ إلى بيئةٍ أخرى. لأن البيئات الثقافية تُقسمُ وفقَ مخرجات العقل وطريقة تعامله مع المعرفة، فهناك العقل الشفاهي الذي يعتمدُ على السماع في تلقي المعرفة، وهناكَ العقل الكتابي الذي يعتمدُ على البصر. لقد بدأ القرآن في تغيير الدلالات السماعية للكلمات والمصطلحات المنتشرة لدى العرب في ذلك الوقت، وبدأ في تثبيت طرق الاستيعاب الموجودة وإضافة طرقٍ جديدة إليها، كالقراءة والكتابة لتتكامل أدواتُ التطور والتقدم المعرفي. وهذا ما أنتجَ لنا فيما بعد حركة التدوين التي كانت نقطة الانطلاق لصياغةِ الحضارةِ الإسلامية التي ساهمت في تطور العلوم الإنسانية في شتى المجالات.
وقد كان بإمكانِ القرآن أن يهدي البشرَ إلى أقصى ما يستطيع العقلُ بلوغه من العلم والتقدم من أول وهلةٍ وأولِ آية، إلا أن الله خلقَ الإنسانَ ومنحه العقلَ ليتميزَ بذلكَ عن بقيةِ الكائنات، وركَّبَ فيه مَلكةَ التفكير، وجعلها هي سمته الأساسية، ثم وجَّه هذه الْمَلَكة إلى الطريقةِ الصحيحة لنيلِ المعرفةِ، فأمرَ بالقراءةِ، وجعلَ ذلك ابتداءَ القولِ والتنزيل. وعلى هذا يكونُ الوصول المعرفي وصولٌ ذاتي، نابعٌ من القدرةِ الإنسانيةِ على التفكير، وعلى الوصول العام لنتيجةٍ مُرضية وقتَ إدراكها.
هذه النتيجةُ لا يستسلمُ الإنسانُ لها طويلاً، فسرعانَ ما تستجدُّ الاكتشافات، وتتوفرُ الأفكارُ اللازمةُ لتخطي النتيجة الأولى. إنه ما نطلقُ عليه اسم: التطور. هذا التطورُ مرهونٌ في جزءٍ كبيرٍ منه إلى القراءة، وقدرة الإنسان على زيادةِ رصيدهِ المعرفي من خلال استعمال هذه الأداة الرائعة للمعرفة.
Related posts: