يُمكننا التحدث عن القراءة بوصفها علماً، أو فناً، أو أداةً معرفية، أو حتى كتاريخ.
وكلُّ وصفٍ من هذه الأوصاف السابقة يشتملُ على أفرعٍ وتقسيماتٍ سنسعى جاهدين في زاد أن نشرحها ونُلخصها، لنثري القارئ ونُحيطه علماً بكل ما يتعلق بمصطلح القراءة، ككلمة، وكتطبيق، وكمتعةٍ لا تنتهي.
القراءة في شتى الأحوال تُعرَّف على أنها فعلٌ من أفعالِ الإنسان العقلية. وهي في التعريفِ الاصطلاحي لها: نوع من أنواع الاسترجاع المنطوق أو الذهني لمعلومات ومواد مخزنة، سواء كانت المعلومات على شكلِ حروفٍ كالكتب، أو صورٍ كالفنون التشكيلية والسينما، وتتم قراءتها عن طريق النظر والسماع. وقد تكون المعلوماتُ رموزاً يتم قراءتها باللمس كلغةِ برايل للمكفوفين، أو لغات الحاسب الآلي المختلفة التي تتنوع طرائقُ قراءتها واستيعابها.
القدرةُ البشرية على القراءة تكمن فسيولوجياً في قدرة العين على التقاط الحروف والرموز، بينما تلتقط الذاكرة الحسية لدى الإنسان هذه الرموز وتخزنها في ذاكرة مؤقتة ( Short Term Memory ) خلال وقت قياسي يبلغ ثلاثمائة جزء من الألف في الثانية الواحدة. وهذه المعلومات التي ترد على الذاكرة المؤقتة لا يُمكنها البقاء أكثر من ثلاثين ثانية، تنتقلُ بعدها للذاكرة طويلة المدى ( Long Term Memory ) وفق معايير فعل التلقي، أو تتلاشى إلى العقل الباطن للإنسان حيث يصعب استدعاء هذه المعلومات إلا في حالاتٍ خاصة. ومن الممكنِ أن تكون هذه المعلومات التي تتسلل إلى الذاكرة طويلة المدى، جملاً، أو عناويناً، أو عباراتٍ مميزة، يرتبطُ احتفاظ الذاكرة بها بمدى المغزى الذي تمثله للإنسان، وبمقدار التكرار الذي يحدث لهذه المعلومة أو غيرها، وتبقى هذه المعلومات لفتراتٍ أطول تبدأ من عشر دقائق إلى ما لا نهاية، وهي أيضاً النوع الذي يُمكن استدعاؤه من الذاكرةِ في حالاتٍ عاديةٍ من الصفاء الذهني.
وعلى مستوى تحليلي؛ فالقراءةُ أيضاً عمليةُ استنطاقٍ واستقصاءٍ للمحتوى المقروء. إنها عملية تواصل بين الذهنِ والمعنى، عمليةُ صنعِ الرؤيةِ التخيلية. استخدامُ القدرةِ العقلية في التفسير، والترجمة، والتوصل، يتم على إثرها الاستيعاب الكامل أو الجزئي.
وقد تكون القراءةُ مثمرةٌ أو مُنجِزِةٌ لفعلِ الكتابة، مثل قراءةِ الكاتبِ الذي يتولدُ عن قراءته نصٌ آخر. أو قراءةُ المترجمِ الذي يجيدُ أكثر من لغة، فيتولدُ عن فعلِ قراءته لمحتوى لغةٍ ما، إضافةٌ ملموسة إلى اللغةِ الأخرى التي يُترجمُ إليها.
القراءةُ رحلةٌ استكشافية نحو المعنى، ذاتُ ارتداداتٍ نفسيةٍ وداخليةٍ تجعلُ من القارئِ سعيداً بما يقرأ، أو مهموماً، أو متفاعلاً، أو مشاركاً في أحداثٍ لم تحدث إلا على الورق، وذلك بفضلِ القدرة الإنسانية على التخيل والمجاراة.
القراءةُ أيضاً هي الأداةُ الأولى للمعرفة. وتتميزُ بألا شئَ مثلها في هداية الإنسان إلى التفكر والتأمل والتطور الذي ينتجُ عن هذا الفعل.



