لا شكَّ أن محمود دريش قدَّمَ الكثير للشعر العربي المعاصر في حياته، وأصرَّ على أن يبقى ليقدمَ أكثر بعد مماته، سواءً في قضاياه التي يتناولها شعره، بدءً بالقضيةِ الفسلطينية وشجون الهوية، ثم انفتاحه على آفاق أوسع للخطاب الإنساني الشامل الذي يتجاوزُ المكانَ والزمان، ليطأ بديهيات الفلسفة بقدمٍ راسخةٍ في الشعرِ والمعاناة، حيثُ الاكتشافُ حينها أيسرُ على العقل، والوصولُ أطوعُ للإرادة.
ولذلك عندما يخرج علينا شاعر بمثل قامة درويش ببعض النصائح التي يُقدمُ لنا فيها نفسه، كما يُقدمُ فيها معاناته مع الكلمة، فنحنُ إذن على موعدٍ مهمٍ مع الخبرة الشعرية الأصيلة.
هنا في هذا النص الذي يقع ضمن آخر أعمال درويش التي ُعجنت بالخبرةِ والوعي ويقظة الحس الفائقة، يُقدم شاعرنا نصائحه للكاتب الشاب، في نص أسماه: إلى شاعر شاب:
لا تصدّقْ خلاصاتنا، وانسها
وابتدئ من كلامك أنت. كأنك
أوّل من يكتب الشعر،
أو آخر الشعراء!
إن قرأت لنا، فلكي لا تكون امتداداً
لأهوائنا،
بل لتصحيح أخطائنا في كتاب الشقاء.لا تسل أحداً: منْ أنا؟
أنت تعرف أمّك..
أمّا أبوك… فأنت!الحقيقة بيضاء. فاكتبْ عليها
بحبر الغراب.
والحقيقة سوداء، فاكتب عليها
بضوء السراب!إن أردت مبارزة النسر
حلّق مَعَهْ
إن عشقتَ فتاة، فكن أنتَ
لا هي،
منْ يشتهي مصرعهْالحياةُ أقلّ حياة،
ولكننا لا نفكّر بالأمر،
حرصاً على صحّة العاطفةْإن أطلت التأمّل في وردةٍ
لن تزحزحك العاصفة!أنت مثلي، ولكنّ هاويتي واضحة
ولك الطرق اللانهائية السرِّ،
نازلة صاعدة!قد نُسمّي نضوبَ الفتوة نضجَ المهارة
أو حكمةً
إنها حكمةٌ، دون ريب،
ولكنها حكمة اللاغنائيّة الباردةألفُ عصفورة في يدٍ
لا تعادل عصفورةً واحدة
ترتدي الشجرة!القصيدةُ في الزمن الصعب
زهرٌ جميلٌ على مقبرة!المثالُ عسير المنال،
فكن أنت أنت وغيرك
خلف حدود الصدىللحماسة وقت انتهاء بعيد المدى
فتحمّسْ تحمّسْ لقلبك واتبعه
قبل بلوغ الهدى
لا تقل للحبيبة: أنتِ أنا
وأنا أنتِ،
قلْ عكس ذلك: ضيفان نحْنُ
على غيمةٍ شاردةشُذَّ، شُذَّ بكل قواك عن القاعدة
لا تضع نجمتين على لفظة واحدة
وضع الهامشيّ إلى جانب الجوهريّ
لتكتمل النشوة الصاعدةلا تصدّق صواب تعاليمنا
لا تصدّق سوى أثر القافلة
الخُلاصة، مثل الرصاصة في قلب شاعرها
حكمة قاتلةكن قوّياً، كثور، إذا ما غضبتَ
ضعيفاً كنوّار لوز إذا ما عشقتَ،
ولا شيء لا شيء
حين تسامر نفسك في غرفة مغلقةْالطريق طويل كليل امرئ القيس:
سهلٌ ومرتفعات، ونهرٌ ومنخفضات
على قدر حلمك تمشي
وتتبعك الزنبق
أو المشنقة!لا أخاف عليك من الواجبات
أخاف عليك من الراقصات على قبر أولادهنّ
أخاف عليك من الكاميرات الخفيّات
في سُرَر المطرباتلن تخيّبَ ظنّي،
إذا ما ابتعدتَ عن الآخرين، وعنّي:
فما ليس يشبهني أجملُالوصيُّ الوحـــيدُ علـــيك من الآن: مستقبلٌ مهملٌ
لا تفكّر، وأنت تذوب أسىً
كدموع الشموع، بمن سيراك
ويمشي على ضوء حدسك،
فكّر بنفسك: هل هذه كلّها؟
القصيدة ناقصة… والفراشات تكملهالا نصيحة في الحبّ، لكنها التجربة
لا نصيحة في الشّعر، لكنها الموهبة
وأخيراً: عليك السلام
يمكن الاستماع لهذه القصيدة مسجلة صوتياً من خلال رابطها على مشروع صبا الصوت.

