حين ننظر لتاريخ العلم نجد أن واقعه يخالف المنهج التجريبي البحت، حين نقوم بهذا النظر، يتكشف لنا الجانب النفسي الذي عمل على فصل المنهج التجريبي عن الفكر لدوافع غير حيادية، تاريخ العلم بالحقيقة يحوي الكثير ليقوله، و يميز ما يقوله أنه بالماضي، مما يمنحه صفة الحدوث التي لا تتوفر في الأمور الفرضية.
قبل حوالي ألفي عام حين بدأ البحث الفكري يأخذ شكلاً واضحاً لم يكن العلم يقرب حتى قدر معقول من القدرة على تفسير العالم المحيط، لذا كان المنهج الإستقرائي و الميتافيزيقا دعامتين رئيسيتين للحصول على مثل هذا التفسير، و برغم عدم كون الميتافيزيقا علماً، إلا أن عبرها وضع اليونان تصورات محددة عن الذرات، عن الفلك، و ما شابه، تصورات لعدم كونها علمية كانت أقرب للأساطير و الخرافات منها لأي شيء آخر.
ظلت ذات تلك التصورات مستخدمة في عصر سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على أوروبا، إلى أن بدأت تلك السيطرة بالإنهيار، و كان المنهج التجريبي أحد عوامل إنهيارها العديدة، فمع بداية ملاحظة العلماء و المفكرين لهذا المنهج بهرتهم قوته الإستنتاجية، لكن أضاف وجودهم في بيئة متطرفة تسعى لتعطيل العقل بعض اللاحيادية في كيفية الأخذ بالمنهج التجريبي، فاتجه الكثير لإعتباره مرحلة جديدة تلغي جميع المناهج و الأفكار السابقة، و لسد الفراغ الناتج عن هذا تم تقديم عدة أفكار تجعل من المنهج التجريبي شاملاً للبحث العلمي كله بدون الحاجة لغيره، أو بأدنى الحالات، بالحاجة للمنهج الأستنباطي فقط دون غيره.
أحد تلك الأفكار تتعلق بكيفية حدوث الكشف العلمي، فقط تم تقديم نموذجاً للكشف العلمي مستمد فقط من المنهج التجريبي، و يقوم هذا النموذج على الخطوات الثلاث المشهورة : الملاحظة، المقارنة، فرض الفروض. حيث يبدأ العالم بملاحظة ظاهرة ما كإختلاف موقع زاوية الظل في منتصف الظهيرة من بلد لأخرى، فيقوم بالمزيد من الملاحظات المدونة للقيام بالمقارنة بينها، و بعد إكتشاف عامل الإطراد بين تلك الملاحظات يقوم بوضع فرض منطقي مبرر ثم يقوم بإختباره عبر تجربة معملية، أو تجربة ذات ظروف تم التحكم بها، بإعتبار الملاحظة تجربة لم يتم التحكم بظروفها.
و بالرغم من صحة تلك الفكرة منطقياً، إلا أن بالعودة لتاريخ العلم نجد أنها لا تصح واقعياً و تاريخياً، فالإكتشافات العلمية التي تحدث بتلك الطريقة هي بشكل كلي إكتشافات علمية ضئيلة الحجم، حيث يكفي فرض بسيط لا شديد البعد عن العلم السوي المتبع وقت وضعه لتفسير الظاهرة، لهذا تكون إكتشافات ضئيلة، بينما في الإكتشافات العلمية الكبرى تكون الميتافيزيقا و الإعتقاد عاملاً أساسياً فكما يقول Popper في كتابه The Logic of Scientific Discovery :
‹‹ من الحقائق المسلم بها أن الأفكار الميتافيزيقية و الأفكار الفلسفية ذات أهمية قصوى للكوزمولوجيا، من طاليس إلى أينشتين، و من الذرية القديمة إلى تأملات ديكارت عن المادة، و من تأملات جلبرت و نيوتن و ليبنتز و بسكوفيك عن القوى إلى تأملات فارادي و أينشتين عن مجالات القوى، أضاءت الأفكار الميتافيزيقية معالم الطريق ››
و بالرغم من أن الأفكار الميتافيزيقية و الفلسفية لا يصح أن نعتبرها علماً، لكن إنكارها كما يفعل البعض سعياً لإعلاء العلم لا يمثل أمر صحيح كذلك، بل أنه كما تبيننا أمر ناتج عن دوافع نفسية بالأساس لا عن دوافع عقلية حيادية، لهذا نجد صلة قوية بين هؤلاء و بين محيط نشأتهم، فالمحيط المتطرف تجاه تقييد الحريات العقلية يُحدث هذا الأثر النفسي، من جهة أخرى فالنظر إلى الأفكار الفلسفية الميتافيزيقية على أنها أفكار غير مبررة و غير علمية و لهذا يتوجب إلقائها بعيداً عن أذهاننا هو نظر ناتج عن فهم قاصر، فتلك إما أفكار نسق فكري يسعى لإثبات بعض النتائج التي يتنبأ بها، أو هي بذاتها أفكار بمرحلة الإعتقاد لا حقائق علمية، يذكر Hans Reichenbach في The Rise of Scientific Philosophy :
‹‹ العالم الذي أكتشف نظريته بالتخمين لا يعرضها على الآخرين إلا بعد أن يطمئن إلى أن الوقائع تبرر تخمينه، و في سبيل الوصول إلى هذا التبرير يقوم العالم بإستدلال أستقرائي ››
لذا حين نعيد النظر في الأخذ التام بالمنهج التجريبي دون غيره، حين نعيد النظر في مدى صحة الإتباع الأعمى للحقائق فقط، و القيام بتعطيل كامل للقدرة الحقيقية للعقل على الإستنتاج، حين نعيد النظر في هذا نجد أن القيام به يحوي إفتراض واحد أساسي و هو أننا نملك من العلم ما يكفي للقيام بهذا، لكن في أي عصر من العصور حتى الحين على الأقل لم يكن هذا صحيحاً، لم نملك من العلم ما يكفي و لا نفعل الآن، فهذا الأخذ التام بالمنهج التجريبي إن كان بعصر اليونان لأنكر تلك الخرافات عن وجود كواكب أخرى، إن كان بعصر نيوتن لأنكر الأوهام المتعلقة بجسيمية الضوء، إن سبق أينشتين لضحك ساخراً ممن يؤمنون بكون ديناميكي، و هكذا إلى تلك اللحظة، و بالتأكيد، إلى عصور تالية أخرى، هذا إن لم يكن إلى الأبد.
بالنهاية نجد أن الفكر و الفلسفة و حتى الأفكار الميتافيزيقية و الإعتقاد أمور حيوية للعلم، بالتأكيد يجب من جهة أخرى الحرص على إتفاقها مع العلم كيلا تصبح أفكاراً مدمرة بدلاً من بانية، إلا أن ما يشار إليه هنا أن بدون فكر لم يكن ليوجد علم بالأساس، أن لا قيمة للمعرفة بدون عارف.



